The Magi

المجوس

الشماس الإكليريكي عماد الخوري يوسف البناء

تحتفل المسيحية كل عام بعيد ميلاد السيد المسيح وخلاله تستذكر قصة ولادة الإله المتجسد، ربنا وفادينا يسوع المسيح، ومعه تستذكر أبرز الشخصيات التي رافقت الفترة الأولى من ولادته. ويعتبر المجوس أحد أبرز شخصيات الميلاد، فالمجوس كلمة تعني مفسر الأحلام والرؤى و حتى قد تعني الكهنة. وقد عاش المجوس في بلاد فارس وبابل ويحسبون ضمن المنجمين ، أي الذين يتنبأون عن الأحداث بقراءة النجوم. ومن خلال قراءتنا لنبوءة دانيال نرى أنه ذكر المجوس ضمن الحكماء والمستشارين للملك في بابل (دا 1 : 20).

الكثير منا، عند قراءة قصة ميلاد السيد المسيح، يعتقد أن زيارة المجوس للسيد المسيح كانت في مغارة بيت لحم حيث ولد، وجميعنا نضع المجوس بين شخصيات المغارة في منازلنا . ولكن بالحقيقة أن المجوس لم يزوروا السيد المسيح إلا بعد مضي مايقارب العامين على ولادته بعد رؤية النجم المضيء والذي تتبعوه ليدلهم على مكان ولادته وكما ورد في إنجيل متى (ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم. قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له)(متى 2 :1-3)، حيث أن هيرودس الملك عندما سمع بخبر ولادة المسيح المخلص على أرضه ،  أمر بقتل الأطفال المولودين في بيت لحم دون سنتين خوفا من الملك المزمع أن يأخذ المُلك منه .لأنه فهم من المجوس أن الطفل المولود سيكون بعمر يقارب السنتين (حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جدا. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها، من ابن سنتين فما دون، بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس)(متى 2 : 16). ولكن مايهمنا من قصة زيارة المجوس للسيد المسيح أن نفهم ماهي الأبعاد الروحية من تلك الزيارة ؟

  • من طبيعة الهدايا التي قدموها للسيد المسيح بعد لقاءهم به وسجودهم له، وهي الذهب والذي يرمز لكونه ملكا يَملِك على عرش أبيه داؤد كما جاء في بشارة الملاك للسيدة العذراء (وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما، وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه) (لوقا 1 : 31-33) والثانية هي اللبان (أي البخور) الذي يشير لكونه الكاهن الأعظم (أقسم الرب ولن يندم: ((أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق)).)(مز 110 : 4) والثالثة هي المر الذي يشير إلى ألالام والمعاناة العتيدة للسيد المسيح على الصليب، وكأنهم يتنبأون عمّا سيحدث فيما بعد، حين يرفع إبن الإنسان اللإله المتجسد على خشبة الصليب، ليُخلص العالم من عبودية إبليس ويكسر شوكة الخطيئة ويحررنا منها. كما جاء في إشعياء النبي القائل (لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا.)(إشع 53 : 4). أي أنّ المجوس أعطوا دلالات واضحة عن مستقبل هذا الطفل المولود ليكون ملكا وكاهنا ويتحمل الآلام لأجل خلاص شعبه وهو الأمر الذي أصبح واضحا بعد إرتقاع السيد المسيح على خشبة الصليب و قيامته من بين الأموات ليبين للعالم أنه هو ملك الملوك ورب الأرباب الذي له سلطان على كل مافي الأرض.
  • يتبين من زيارة المجوس للسيد المسيح، قوة أيمانهم المذهل إذ أتوا من بلادهم بحثا عن الملك الذي سيولد والذي تنبأ عنه النبي دانيال في فترة السبي البابلي أي في منطقة بلاد فارس وبابل، والتي من خلالها أعطاهم السقف الزمني لولادة المسيح المخلص، حيث يعتقد الكثير من المفسرين أن المجوس كانوا على أطلاع على نبوءة السبعين أسبوع لدانيال النبي والتي تنبأها بإلهام من الروح القدس مبينا الزمن الحقيقي لولادة المسيح المخلص فيقول : (فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا، يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعا يقطع المسيح وليس له، وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس، وانتهاؤه بغمارة، وإلى النهاية حرب وخرب قضي بها. ويثبت عهدا مع كثيرين في أسبوع واحد، وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة، وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب».) (دا 9 : 25 ، 26 ، 27). فهذا الأيمان العظيم من قبل المجوس الوثنيين نرى أنّ ما يقابله على الجانب الأخر من الشعب الذي يعتبر نفسه شعب الله ، تآمر من هيرودس ورؤساء الكهنة لقتل المسيح المولود ، رغم كون اليهود على علم واسع بجميع النبوءات التي تحدثت عن ولادة الملك السماوي الذي سيخلص شعبه. ولكنهم كانوا كما وصفهم السيد المسيح (تسمعون سمعا ولا تفهمون، ومبصرين تبصرون ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم قد ثقل سماعها. وغمضوا عيونهم، لئلا يبصروا بعيونهم، ويسمعوا بآذانهم، ويفهموا بقلوبهم، ويرجعوا فأشفيهم )(متى 13 : 14 – 16). فالمجوس وضّحوا حقيقة أيمانية وهي أن السيد المسيح لم يكن مُنتظرا من اليهود فقط ، بل أيضا من الأمم الذين بحثوا عنه ووجدوه و سجدوا له كونه ملك السلام، كما رنم الملائكة وقت ولادته قائلين: (المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة).

Advertisements